سليمان بن موسى الكلاعي

173

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

عليه ثم جلس ، فقال له : ما تنتظر ببعثة هذه الجنود ؟ قال : ما كنا ننتظر إلا قدومكم ، قال : فقد قدمنا ، فابعث الناس الأول فالأول ، فإن هذه البلدة ليست ببلدة خف ولا كراع « 1 » . قال : فعند ذلك خرج أبو بكر رضي الله عنه ، يمشى ، فدعا يزيد بن أبي سفيان فعقد له ، ودعا ربيعة بن عامر من بنى عامر بن لؤي فعقد له ، ثم قال له : أنت مع يزيد بن أبي سفيان لا تعصه ولا تخالفه ، ثم قال ليزيد : إن رأيت أن توليه مقدمتك فافعل ، فإنه من فرسان العرب وصالحاء قومك ، وأرجو أن يكون من عباد الله الصالحين ، فقال يزيد : لقد زاده إلىّ حبا حسن ظنك به ورجاؤك فيه ، ثم إنه خرج معه يمشى ، فقال له يزيد : يا خليفة رسول الله ، إما أن تركب ، وإما أن تأذن لي فأمشى معك ، فإني أكره أن أركب وأنت تمشى ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : ما أنا براكب ، وما أنت بنازل ، إني أحتسب خطاى هذه في سبيل الله ، ثم أوصاه فقال : يا يزيد ، إني أوصيك بتقوى الله وطاعته ، والإيثار له ، والخوف منه ، وإذا لقيتم العدو فأظفركم الله به فلا تغلل ولا تمثل ولا تغدر ولا تجبن ، ولا تقتلن وليدا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ، ولا تحرقن نخلا ولا تغرقنه ، ولا تقطعن شجرا مثمرا ، ولا تعقروا بهيمة إلا لمأكل ، وستمرون بقوم في هذه الصوامع يزعمون أنهم حبسوا أنفسهم لله ، فدعهم وما حبسوا أنفسهم له ، وستجدون آخرين فحص الشيطان أوساط رؤسهم كأن أوساطها أفاحيص « 2 » القطا ، فأضربوا بالسيف ما فحصوا عنه من رؤسهم حتى ينيبوا إلى الإسلام أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب . وأقرأ عليك السلام ، وأستودعك الله . ثم أخذ بيده فودعه ، ثم قال : إنك أول امرئ وليته على رجال من المسلمين أشراف غير أوضاع في الناس ، ولا ضعفاء ولا أدنياء ولا جفاة في الدين ، فأحسن صحبتهم ، وألن لهم كتفك ، واخفض لهم جناحك ، وشاورهم في الأمر ، أحسن أحسن الله لك الصحابة ، وعلينا الخلافة . فخرج يزيد في جيشه قبل الشام ، وكان أبو بكر رحمه الله ، كل غدوة وعشية يدعو في دبر صلاة الغداة ، ويدعو بعد صلاة العصر ، فيقول : اللهم إنك خلقتنا ولم نك شيئا ،

--> ( 1 ) الخف : الإبل . والكراع : الخيل . ( 2 ) أفاحيص : جمع أفحوص ، وهو التراب ، تتخذ فيه طيور القطا مساكن لها .